​​

Statement : | English, Français

بيان من المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، فاتو بنسودا، في افتتاح المحاكمة في القضية المرفوعة ضد السيد أحمد الفقي المهدي

النسخة الانجليزية :يوتيوب للمشاهدة فيديو للتحميل; نسخة صوتية للتحميل
النسخة الفرنسية
: يوتيوب للمشاهدة; فيديو للتحميل; نسخة صوتية للتحميل
النسخة العربية:
يوتيوب للمشاهدة; فيديو للتحميل; نسخة صوتية للتحميل
النسخة غير المترجمة
: فيديو للتحميل


سيدي الرئيس، حضرات السادة القضاة،

يمثُل اليوم أمام دائرتكم السيد أحمد الفقي المهدي، الذي يُعرف بالاسم المستعار "أبو تراب".

وسيبيّن السيد المهدي دوره في الهجوم الذي شُنّ في تمبكتو في شهري حزيران/يونيه وتموز/يوليه 2012 على عشرة مبانٍ تاريخية ودينية لا تقدر قيمتها بثمن. وقد كانت هذه المباني، وهي أضرحة لأولياء مسلمين، من أشهر المباني في تمبكتو.

وقد شكّلت هذه المباني جزءاً هاماً من التراث التاريخي لهذه البلدة العتيقة. وكانت بوجه أعم جزءاً من تراث مالي وأفريقيا، بل جزءاً من تراث العالم. وكانت جميعها مسجلة بقائمة التراث العالمي، باستثناء واحد منها.

ومع ذلك، فقد دُمرت هذه المباني عمداً على أيدي السيد المهدي وشركائه في الجريمة أمام أعين أهل تمبكتو الذين لا حول لهم ولا قوة.

وقد انخرط السيد المهدي، وهو عضو في جماعة أنصار الدين، انخراطاً مباشراً في الكيانات التي أسستها الجماعات المسلحة المتمثلة في تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي وجماعة أنصار الدين في أثناء احتلال تمبكتو عام 2012.

وقد شارك في الأعمال التي نفذتها هذه الكيانات بغية فرض أيديولوجيتها بالقوة وبسط سيطرتها على السكان. وعلى الأخص، عُيّن رئيساً للحسبة، وهي الكتيبة المسؤولة عن الأخلاق. وقد أسسها في نيسان/أبريل 2012 وقادها منذ تأسيسها حتى أيلول/سبتمبر 2012. وبصفته قائد الحسبة، أدار بنفسه الهجمات التي شُنّت ضد المباني العشرة المذكورة وأشرف عليها شخصياً.

وتثبت الأدلة فائقة التنوع والكثرة التي جمعها مكتبي إثباتاً قاطعاً أن المتهم اضطلع بدور محوري في عمليات التدمير. فقد اختار المواقع التي ستُدمّر وحدد تسلسل عملية التدمير، بدءاً من شمال المدينة صوب جنوبها. وأتاح الأدوات وأصدر توجيهات.

سيدي الرئيس، حضرات السادة القضاة،

علينا أن نقول، وبكل وضوح، إن شنّ هجوم عمداً على آثار تاريخية ومبانٍ مخصصة للأغراض الدينية يشّكل جريمة حرب يعاقب عليها نظام روما الأساسي عقاباً رادعاً. وهذه الجرائم إنما هي جرائم خطيرة ينبغي أن تتعامل معها يد العدالة الناجزة.

وكما نعلم، هذه هي أوّل مرة تحاكم فيها المحكمة الجنائية الدولية متهماً بهذه الأفعال وبهذه الجرائم الخطيرة.

إن محاكمة اليوم لمحاكمة تاريخية.

وما يجعل هذه المحاكمة تاريخية بحق هو أن زمننا هذا سمته الحمية المدمرة التي تخرب التراث المشترك للإنسانية مرة بعد مرة تخريباً مخططاً على أيدي أفراد وجماعات همهم هو اجتثاث أي رمز للعالم المغاير لعالمهم، واستئصال المظاهر الملموسة التي هي ذروة سنام الحياة لدى المجتمعات المحلية، تلك المجتمعات التي تُستنكر اختلافاتها وقيمها وتُمحق بكل استهتار.

سيدي الرئيس، حضرات السادة القضاة،

إن هذا لهو صلب الدعوى ولبّها. وهذه الجريمة خطرة أيما خطورة، فهي انقضاض شرس على هوية وذاكرة مجموعات من السكان بأكملها، وعلى مستقبلها ردفاً.

إن هذه الجريمة تنال من كل ما يمثل ثراء مجتمعات محلية برمّتها. وهي بذلك تسلبنا جميعاً ثراءنا، وتنتهك القيم العالمية التي يتعين علينا حمايتها.

وسوف تأخذكم الأدلة التي جمعها مكتبي إلى تمبكتو، تلك المدينة المـُهانة المضطهدة، تلك المدينة التي نُكأت جراحها في عشرة أيام ونيف بشهري حزيران/يونيه وتموز/يوليه 2012.

إنها تمبكتو، المدينة التي تشوهت إلى أن طالت الجراح أرواح سكانها ونفوسهم. وصارت هذه الحقبة المظلمة فصلاً أسود في تاريخ المدينة.

لذا، اسمحوا لي بأن أصف لكم ما مثلته أضرحة الأولياء المسلمين بتمبكتو، والمعنى الذي حملته والوظيفة التي أدتها على مر القرون.

وسوف أواصل بياني باللغة الإنكليزية، إذا سمحتم لي بذلك.

سيدي الرئيس، حضرات السادة القضاة،

إن تمبكتو بحق مدينة عتيقة ونابضة بالحياة.

ويرتبط اسم تمبكتو عادة بالثراء التاريخي والثقافي.

فقد أصبحت تمبكتو في القرنين الخامس عشر والسادس عشر مركزاً إقليمياً للنشاط الاقتصادي والتجارة. والأهم من ذلك أنها ازدهرت لتصير واحدة من أكثر العواصم الفكرية والروحية نبضاً بالحياة في أفريقيا.

وقد اضطلعت بدور جوهري في انتشار الإسلام في أفريقيا.

ولا شك في أن تمبكتو كانت مهد العلم وازدهر فيها التنوير، مما عاد بالنفع على أجيال من طلاب العلم، واجتذب العلماء من كل أصقاع الأرض.

وقد لقي بعض هؤلاء الحكماء توقيراً باعتبارهم من الأولياء المسلمين، وشيدت أضرحة على قبورهم تكريماً لذكراهم وللإسهامات البارزة التي أسهموا بها في حياة أهل تمبكتو وغيرها من البلدان.

إن هذه الأضرحة، التي صمدت أمام عاديات الدهر، ظلت تضطلع بدور جوهري، بل دور تأسيسي، في الحياة داخل بوابات المدينة وخارج حدودها على حدّ سواء.

لقد كانت هذه الآثار، يا حضرات القضاة، بمثابة شهادة حية على ماضي تمبكتو المجيد. ولا شك في أن هذه الأضرحة كانت أيضاً شاهداً فريداً على المستوطنات الحضرية في هذه المدينة. بل كانت، علاوة على هذا كله، تجسيداً لتاريخ مالي وقد تصوّر في صورة حسية، من عهد تالد غير أنه ما زال حاضراً يفيض بالحياة في ذاكرة وكبرياء هؤلاء الذين أحبوا هذه الآثار أيما حب.

وتشهد الأضرحة كذلك على الدور التاريخي الذي اضطلعت به تمبكتو في انتشار الإسلام في أفريقيا، بل وفي تاريخ أفريقيا ذاته.

إنها بقايا من حقبة عظيمة من أحقاب التطور الفكري والروحي لبني الإنسان في هذه القارّة، وقد منحت تمبكتو مكانتها في العالم. ولهذا أهمية خاصة في ذلك المجتمع الذي يستمد جزءاً من جذوره من التقاليد الشفهية. وهذه هي الأسباب الوجيهة التي جعلت للأضرحة تلك القيمة فأُدرجت بقائمة التراث العالمي عام 1988.

والأهم من ذلك أن أضرحة تمبكتو كانت ولا تزال تضطلع بدور ديني هام في الحياة اليومية لسكان المدينة. فالأضرحة أماكن مقدسة خاصة بالعبادة. ويتردّد عليها سكان المدينة. كما يحج إليها الحجيج من أماكن بعيدة للتقديس والصلاة. وقد كانت زيارة الأضرحة، ولا تزال، بمثابة تعبير عن إيمان المرء وتقواه.

إن هذه الممارسات والاعتقادات الدينية المغروسة لهي بعينها ما أرادت جماعة أنصار الدين وتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي أن يستأصلوه بتدمير هذه الأضرحة. وبأعمالهم الوحشية الفظة، بات من المحال على أهل تمبكتو أن يتفرغوا لممارساتهم الدينية في أثناء احتلال مدينتهم الذي دام عشرة أشهر.

وسوف تبرهن أدلتنا لكم يا حضرات القضاة على الأهمية التي تمتعت بها هذه الأضرحة لدى أهل تمبكتو.

وستستمعون في أثناء هذه المحاكمة إلى الشاهد P-0431. وستبيّن الشهادة التي سيدلي بها هذا الشاهد كيف أنه وبمجرد أن طُردت الجماعات المسلحة من المدينة في عام 2013، عاد سكان تمبكتو يُصلّون في أطلال الأضرحة. إن هذا لهو عمق الصلة بين الأضرحة وبين الناس في تمبكتو.

وبالإضافة إلى ذلك، لعبت الأضرحة دوراً رئيسياً في تعزيز التماسك الاجتماعي الذي يُعدّ من أهم خصائص تمبكتو. فالأضرحة ترتبط بعائلات ترعاها وتلجأ للبنائين عند الحاجة. ويُعدّ هؤلاء البناؤون "كنوزاً بشرية حية" نظراً لمهارتهم الفريدة في صنعتهم. وعلى الرغم من أنهم هم من يصونون تلك المباني، يُعدّ ترميم الأضرحة مهمة ينضم إليها المجتمع المحلي بأكمله ويشارك فيها. ويقدم الجميع يد العون للبنائين. وتُجمع المواد وتنعقد اللقاءات على مستوى الأحياء. وهي مناسبة تلم شمل المصلين والفئات العمرية المختلفة والمجتمع ككل وتوحد بينهم.

وليست هذه فحسب هي الوظائف الاجتماعية للأضرحة. فالأضرحة – التي دُمرت – أسهمت كذلك إسهاماً كبيراً في ما يروق لي أن أسميه "ورشة التعايش السلمي". ولنتفكر في أسماء الأضرحة.

إن هذه الأضرحة تذكرنا بأن الأولياء المسلمين الذين خُصصت لهم انحدروا من خلفيات وقبائل مختلفة. فأحد هذه الأضرحة اسمه ضريح "سيدي محمود بن عمر محمد أقويط"، وقد سُمي باسم الولي سيدي محمود بن عمر محمد أقويط، وهو حاج من مدينة سان عاش في القرن السادس عشر. وهناك ضريح آخر اسمه ضريح "الشيخ سيدي أحمد بن عمار الرقادي". وقد سُمّي باسم عالم وولي مسلم مبجل من قبيلة كونتا، عاش في القرن الثامن عشر. ولقد نقلت هذه الأضرحة، لا لشيء إلا لأسمائها، رسالة تسامح وتعايش سلمي تسمو فوق الاختلافات.

وأخيراً وليس آخراً، لقد اضطلعت الأضرحة المدمرة بدور حيوي في تشكيل هوية أهل تمبكتو. وتُعرف تمبكتو باسم "مدينة الـ333 ولياً".

لقد كانت الأضرحة بمثابة الرمز الحي والمعاصر للمدينة. وكما قال أحد سكان المدينة إبان عمليات التدمير ما نصه: "إن الناس لغاضبة جداً جداً اليوم لأن الضريح يُعدّ رمز تمبكتو".

ولذلك فإن القصد من تدمير أضرحة تمبكتو هو محو عنصر من عناصر الهوية الجماعية التي بُنيت على مر العصور، والقضاء على معلم حضاري. وقد كان هذا التدمير بمثابة تدمير لجذور شعب بأكمله، مما يؤثر بلا رجعة في مواقفه وممارساته وهياكله الاجتماعية. وقد لخص شخص آخر من سكان تمبكتو هذه الفكرة كما يلي: "إن تمبكتو تحتضر، إنها مهددة بأعمال تخريب شائنة، إنها مطروحة تحت نَصل سكين مشحوذ وجاهز للاستخدام في جريمة قتل بدم بارد".

حضرات القضاة،

إن الثقافة هي هويتنا في الحياة. إذ أنتج أسلافنا اللوحات الفنية والمنحوتات والمساجد والمعابد وغيرها من الأعيان الثقافية في كل مكان. وسعوا بقلوبهم وعقولهم لإنتاج مثل هذا التراث الثقافي بحيث يُمثل الهوية الثقافية لأزمانهم وترثه الأجيال القادمة لتنتفع به.

وفي الواقع، يُشكِّل هذا التراث الثقافي روح وهوية جيلنا وروح وهوية الأجيال القادمة. ومع مرور الوقت، يصبح النموذج الأصلي للذاكرة الاجتماعية الذي يصوغ منه الأفراد هويتهم ويحققون نموهم.

ويجب أن لا نُخطئ: على مدى قرون، كانت أضرحة تمبكتو تُشكِّل حجر الأساس الهام الذي بُنيت عليه هوية سكان المدينة. ولا يزال هذا صحيحاً إلى حد كبير اليوم.

إن المساجد والأضرحة المقامة منذ قرن من الزمان في مدينة تمبكتو، والتي تُشكَّل الأساس الثقافي لهذه المدينة التاريخية، ألهمت وصاغَت حياة من ولدوا وترعرعوا فيها.

وأدعو كل واحد منا أن يتصور، ولو للحظة واحدة، ما كان يجب أن يكون شعور المرء وهو يُشاهد في صيف عام 2012 المشئوم التدمير الوحشي لهذا التراث الثقافي العزيز والهجوم المتعمد على هوية المرء ومعتقداته الروحية وأعيانه الثقافية الثمينة.

حضرات القضاة،

لقد أدت عملية التدمير التي قادها المتهم إلى تحول كل هذا التراث إلى أثر بعد عين. وبإزالته للأضرحة، دمر السيد المهدي عمداً شيئاً معنوياً نفيساً لا حد لأهميته. وينحدر السيد المهدي نفسه من منطقة تمبكتو، ووفقاً لذلك، كان يدرك تماماً أهمية الأضرحة وشأنها لسكان المدينة.

ومع ذلك، أظهر الإصرار والتركيز في إشرافه على العمليات. وحرص على أن يكون حاضراً في كل موقع تمَّ استهدافه وتدميره. ويمكنكم مشاهدته في المقاطع المصوّرة المقدمة، حيث يحمل دون تحفظ معوله. ويمكنكم أيضاً سماعه يحاول بثقة وبشكل متكرر تبرير هذه الجرائم مؤكداً تصميمه على القضاء على جميع الأشياء التي وصفها بأنها "غير لائقة" بتمبكتو.

وفي الواقع، الصورة أكثر تعبيراً من ألف كلمة، فضلاً عن نية المتهم الذي عبر عنها.

ووجدت كل هذه الصور ضمن المواد المأخوذة من المصادر العامة المدرجة في قائمة الأدلة المشتركة للادعاء والدفاع.

حضرات القضاة،

إن ارتكاب مثل هذه الجريمة ليس مجرد حدثاً يُرثى له. فإن هذا النوع من الجرائم، أينما تحدث في العالم، تُعرض المجتمع الدولي لتحديات هائلة اليوم. وبعد إذنكم، أود أن أُسلط الضوء على ثلاث نقاط عامة في هذا الصدد:

الأُولي هي أن الهجمات المتعمدة ضد الأعيان الثقافية غالباً ما تكون مقدمة لأسوأ الاعتداءات ضد السكان. وكما لاحظ بعض المراقبين واسعي الاطلاع، يُعتبر النضال من أجل الدفاع عن أعيان السكان الثقافية جزءاً لا يتجزأ من العملية الإنسانية التي تهدف إلى حماية هذه الفئة من السكان.

أما الجانب الثاني، أحد الأمور التي تُثير أكبر قدر من القلق، هو أن الهجمات المتعمدة على الأعيان الثقافية أصبحت الأسلحة الفعلية للحرب. ويجري استخدامها للقضاء على مجتمعات محلية بأكملها وطمس كل آثارها وتاريخها وهويتها، كما لو أنها لم تكن موجودة.

ودعونا نأخذ بلدة زفورنيك كمثال. وكما أظهرت الوقائع الثابتة في الدعوى ذات الصلة، قد دمر الصرب خمسة مساجد في تلك المدينة. وفي وقت لاحق، سُمع رئيس بلدية البلدة المكتسحة يتفوه بهذا الحديث التحريفي: "لم تكن هناك أبداً [هذا ما قاله] أي مساجد في زفورنيك". ومن المؤكد أن الهجمات على الآثار التاريخية والمباني المخصصة للأغراض الدينية هي هجمات فعلية على الناس الذين يعتبرون مثل هذه الأعيان ثمينة ومُعززة ولصيقة بهويتهم الثقافية.

وأخيراً، تُشكِّل حماية التراث الثقافي جزءً أساسياً من عملية إعادة الإعمار الاجتماعية والمصالحة في مرحلة ما بعد النزاع. وذلك لأن التراث الثقافي يعطي معنًى فضلاً عن الشعور بالاستمرارية والتوجيه من الماضي إلى المستقبل. ويوفر التراث الثقافي نقاط مرجعية. وعندما يُدمر التراث الثقافي، كما أشارت المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة التابعة للأمم المتحدة، لا يعيد الترميم أبداً له قيمته الأصلية.

ويجب أن تدفعنا هذه القضايا والاهتمامات المعقدة لاتخاذ إجراء. وتُعد الهجمات المتعمدة ضد الآثار التاريخية والمباني المخصصة للأغراض الدينية بمثابة جرائم خطيرة تسبب ضرراً كبيراً منهكاً: أولاً، للمجتمعات المحلية المتضررة وكذلك لما هو أبعد من الفضاء الاجتماعي والجغرافي الذي يشغلونه. ويجب علينا أن نبقى ثابتين في عزمنا على وضع حد للإفلات من العقاب على هذه الجرائم الخطيرة.

حضرات القضاة،

اليوم، أكد المتهم، السيد أحمد الفقي المهدي، أنه يعترف بالذنب.

إن الأمر متروك الآن تماماً لحضراتكم للنظر في اعترافه بالذنب، من خلال الاتفاق الذي وقعه مع مكتبي. وقد أدلى المتهم بهذا الاعتراف باطراد وطوعاً وعن علم تام بمساعدة محام. وقد نُشرت الشروط العامة لهذا الاتفاق يوم الجمعة من الأسبوع الماضي. وهو يدرك تماما وقائع الدعوى ومسؤوليته الفردية. ويقرُّ تماماً بوقائع الدعوى وبمسؤوليته الفردية.

وأنا سعيدة جداً وراضية عن هذا التطور في الدعوى.

وأنا راضية لأنه هو أول اعتراف من نوعه بالذنب أمام المحكمة. وقد تمَّ نقل السيد المهدي إلى المحكمة قبل أقل من سنة. وستستغرق المحاكمة الحالية بضعة أيام فقط. وستُساهم في سرعة الإجراءات. وستكون مثل هذه السرعة لصالح الضحايا بقدر ما ستكون لصالح المتهم.

وقبل كل شيء، أنا راضية لأن الاعتراف المباشر للسيد المهدي يُساعد على تحقيق العدالة: إنه يُساعد على كشف الحقيقة ويؤدي إلى الانفراج الذي يفترض أن يحدث بعد انتهاء أي إجراءات قضائية. وفي الأعمال التحضيرية لهذه الدعوى، جمع مكتبي أدلة دامغة تدين المتهم. وستكون لديكم فرصة للحكم على هذا بأنفسكم في الساعات المقبلة. إن الاعتراف بالذنب يُسهل عملية التوصل إلى الحقيقة. ويُعد إقرار المتهم بمسؤوليته الجنائية أمراً حاسماً لضحايا تمبكتو. وسيدعم أيضاً عملية المصالحة في هذا المنطقة.

وبالإضافة إلى ذلك، فإن هذا الاعتراف بالذنب والحكم النهائي الذي سيصدر عن حضراتكم سيكونان سابقة واضحة وسيرسلان رسالة مهمة وإيجابية للعالم بأسره.

ويجب ألا ننسى أن هذا الهجوم أثار سلسلة من الاحتجاجات ليس فقط من قبل المجتمع المحلي المتأثر ومن قبل مالي بشكل عام، ولكن أيضاً من قبل المجتمع الدولي.

وقد أعرب الاتحاد الأفريقي ومجلس الأمن التابع للأمم المتحدة والجماعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (إيكواس) واليونسكو والعديد من البلدان عن إدانتهم الشديدة لجريمة الحرب التي ارتُكبت. وقد أشار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة نفسه إلى "ضرورة مساءلة مرتكبيها [هذه الجرائم]"، في حين أكد رئيس المجموعة الأفريقية في اليونسكو أنه "[ترجمة] ليست فقط مالي التي تأثرت بأعمال التدمير هذه. فمواقع التراث في مالي هي مواقع لتراث أفريقيا وهي أيضاً مواقع للتراث العالمي". وبالفعل، إن الذي أصابه الضرر هو تراثنا العالمي، من جراء تدمير تسعة مواقع مدرجة بقائمة اليونيسكو من أصل المواقع العشرة التي دمرت في تمبكتو.

حضرات القضاة،

إن مناشدات المجتمع في مالي والمجتمع الدولي لاتخاذ إجراءات حيال مثل هذه الجرائم الخطيرة، يجب أن تسفر عن نتائج.

ويقع على عاتق حضراتكم التأكد من اعتبار المتهم مسؤولاً. كما يقع على عاتق دائرتكم وضع اللبنة الأُولى لفقه المحكمة في هذا المجال.

لقد شهد العالم في القرن الحادي والعشرين العديد من الهجمات على الآثار التاريخية والمباني المخصصة للأغراض الدينية. ويجب توقيف هذا الاتجاه المثير للقلق. وهذا الواقع يجب أن يتغير.

لقد شهدنا في الآونة الأخيرة الدمار الكارثي لتدمر، كما رأينا في الشهر الماضي ما تُسمى بـ "داعش" تُدمر أثراً تاريخياً آخر: ضريح يقع شمال بغداد.

ورسالتي اليوم هي: إن تراثنا الثقافي ليس سلعة فاخرة، بل تراثنا الثقافي هو أداة حيوية للتطور الإنساني.

إن حماية الأعيان الثقافية بمثابة حماية لثقافتنا وتاريخنا وهويتنا وطرقنا في التعبير عن الإيمان وممارسة الشعائر الدينية للأجيال الحالية والمستقبلية. ويجب علينا أن نحمي تراثنا المشترك من التدنيس والتخريب والآثار طويلة الأجل لمثل هذه الأعمال التخريبية.

إن شدة الجرائم التي ارتُكبت في هذه الدعوى تستدعي عقوبة مناسبة تكون صارمة ورادعة، مع الأخذ بعين الاعتبار جميع ظروف المتهم الخاصة؛ بما في ذلك اعترافه بالذنب وتعاونه.

إن حكمكم ينتظره الناس في شوارع تمبكتو القديمة مروراً بجميع أنحاء مالي وفي جميع أنحاء العالم.

وكما ذكرت في إجراءات سابقة في هذه الدعوى: "التاريخ نفسه، الذي يتعرض تجسيده المادي للخطر من خلال مثل هذه الهجمات، لن يكون سخياً معنا لفشلنا في الرعاية أو التصرف بشكل حاسم".

أشكركم على حسن إصغائكم.

وأسمحوا لي أن أعطي الآن الكلمة لزميلي المحترم، السيد جيل دوتيرتر، محامي الادعاء من فريق الادعاء ليُقدم عرضاً أكثر تفصيلاً لدعوانا.

Source : Office of the Prosecutor