​​

Statement : | English, Français

بيان إلى مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بشأن الحالة في ليبيا، عملاً بقرار المجلس 1970 (2011)

نظراً لإغلاق الأمم المتحدة المترتب على فيروس كوفيد-19، تقدم المدعية العامة للمحكمة الجنائية الدولية، فاطو بنسودا، التقرير التاسع عشر لمكتبها بشأن الحالة في ليبيا عن بعد من خلال التداول بالاتصالات المرئية.<br>
نظراً لإغلاق الأمم المتحدة المترتب على فيروس كوفيد-19، تقدم المدعية العامة للمحكمة الجنائية الدولية، فاطو بنسودا، التقرير التاسع عشر لمكتبها بشأن الحالة في ليبيا عن بعد من خلال التداول بالاتصالات المرئية.

5 أيار/مايو 2020

السيد الرئيس، أصحاب السعادة،

نظراً للظروف الاستثنائية التي نواجهها حالياً بسبب وباء كوفيد-19، يسعدني أن أَمثُل أمام هذا المجلس من خلال التداول بالاتصالات المرئية من أجل تقديم التقرير التاسع عشر لمكتبي بشأن الحالة في ليبيا، عملاً بالقرار 1970.

أهنأ إستونيا بتوليها رئاسة المجلس لشهر أيار/مايو، وأعرب عن امتناني للمجلس لتيسيره الإحاطة عن بعد اليوم.

أسمحوا لي في البداية أن أعرب أيضاً عن عزائي لأعضاء المجلس بل ولكل أعضاء أسرة الأمم المتحدة في الوفاة التي باغتت مواطني كل منهم جراء هذا الوباء العالمي، وأعرب عن تضامننا في المعركة الدائرة لاحتواء انتشار الفيروس.

وفي هذا السياق، دعوني أيضاً أأكدُ على أنه رغم بعض القيود المحتومة التي تسبب فيها وباء كوفيد-19، يسير الفريق المعني بليبيا في مكتبي قدماً في عمله وتحقيقاته القضائية، وقد استطاع أن يحافظ على نشاطه وإنتاجيته في هذه الأوقات الاستثنائية. ولا تزال الحالة في ليبيا تمثل أولوية لمكتبي، وإني لأغتنم الفرصة في هذا المنتدى لأعلن أن فريقي يعمل على تقديم طلبات لإصدار أوامر قبض جديدة.

السيد الرئيس، أصحاب السعادة،

يعلم المجلس تمام العلم أنه منذ تقريري الأخير – للأسف – لم تخفت حدة أعمال العنف الخطيرة المتصلة بالنزاع المسلح الدائر في ليبيا، ولا سيما في طرابلس وما حولها. وقد مضى ما يربو على عام منذ أن بدأت الميليشيا المعروفة باسم الجيش الوطني الليبي بقيادة اللواء خليفة حفتر، والتي تتخذ من شرق ليبيا مقراً لها، العدوان على طرابلس. ويواصل مكتبي رصده الدقيق للأحداث الجارية. وتُعدّ الأعداد الكبيرة للمجني عليهم في صفوف المدنيين على وجه الخصوص من دواعي قلق مكتبي، حيث تفيد التقارير بأن معظمهم سقطوا جراء الغارات الجوية وعمليات القصف.

ويواصل فريقي جمع المعلومات وتحليلها بشأن الحوادث التي وقعت في أثناء الفترة الأخيرة من النزاع المسلح والتي قد تشكل جرائم بموجب نظام روما الأساسي.

وأكرر أن تعمد شنّ هجمات على السكان المدنيين، أو على الأفراد من المدنيين الذين لا يشاركون مشاركة مباشرة في الأعمال العدائية، تُعدّ جريمة حرب بموجب نظام روما الأساسي. وبالمثل، فإن نظام روما الأساسي يحظر تعمد شنّ هجمات على المستشفيات والمباني الأخرى التي يحميها القانون الدولي، مثل المباني المخصصة للدين أو التعليم، إذا لم تكن أهدافاً عسكرية. وحتى مع وجود أهداف عسكرية، فإن مبدأ التناسب ينطبق.

السيد الرئيس، أصحاب السعادة،

سبق وأن لفتُّ انتباهكم أيضاً إلى مسألة الاحتجاز التعسفي وسوء المعاملة الخطيرة للمهاجرين واللاجئين الذين يحاولون المرور عبر ليبيا.

وتُعدّ هذه المشكلة خطيرة ومستديمة، ويواصل مكتبي تكريس الموارد للتحقيق في هذه المسألة. وقد تحقق تقدم هام على وجه الخصوص من خلال اعتماد مكتبي إستراتيجية تعاون تركز على تبادل الأدلة والمعلومات مع الدول والمنظمات ذات الصلة. والغاية من هذا النشاط هو الاستفادة من أوجه التآزر ودعم أعمال التحقيق والمقاضاة في الولايات القضائية المحلية. ويسعدني أن أفيد بأن هذه الجهود تتمخض عن نتائج مجدية.

ويجدر التأكيد على أن مسألة الاحتجاز التعسفي وإساءة المعاملة الخطيرة للمحتجزين لا تؤثر على المهاجرين واللاجئين فحسب، بل كذلك على آلاف الناس الآخرين المحتجزين في السجون ومراكز الاحتجاز في جميع أنحاء ليبيا.

وتشير آخر الأرقام إلى انتشار احتجاز الأشخاص من غير إتباع أصول المحاكمات. فالكثيرون يحتجزون من دون أساس قانوني أو يحرمون من حقوقهم الإجرائية الأساسية.

ويُعدّ المحتجزون من دون حماية قانونية مناسبة معرضين بصورة أكبر لأشكال خطيرة من سوء المعاملة، منها القتل العمد والتعذيب والاغتصاب وأشكال أخرى من العنف الجنسي.

وتشير المعلومات التي حصل عليها مكتبي إلى أن مثل هذه الجرائم شائعة جداً. ويبلغ المحتجزون السابقون عن وسائل تعذيب وحشية. ومن بين المجني عليهم جراء أعمال الاغتصاب وغيره من أشكال العنف الجنسي في الاحتجاز رجال ونساء وأطفال. وقد تُوفي محتجزون جراء إصابات تعرضوا لها بسبب التعذيب وبسبب عدم تقديم الرعاية الطبية اللازمة في الوقت المناسب.

ومكتبي على علم بالادعاءات التي تفيد وقوع انتهاكات خطيرة في سجون وأماكن احتجاز كثيرة في جميع أنحاء ليبيا. وتجدر الإشارة بصورة خاصة إلى سجني الكويفية وقرنادة اللذين يقعان في غرب ليبيا. وتشمل هذه الادعاءات أيضاً سجن معيتيقة في طرابلس، الذي تسيطر عليه جماعة مسلحة تعرف باسم قوة الردع الخاصة. وتخضع هذه الجماعة رسمياً لسلطة وزارة الداخلية التابعة لحكومة الوفاق الوطني.

Due to COVID-19 lockdown at the UN headquarters, ICC Prosecutor, Fatou Bensouda, presents her Office’s 19th report onthe Situation in Libya remotely through VTC. ©ICC-CPI

وثمة إصلاحات جادة وطارئة يلزم إدخالها فيما يبدو على كثير من السجون ومراكز الاحتجاز الليبية من أجل منع الجرائم في المستقبل. وتُعدّ المساءلة عن الانتهاكات السابقة التي ادُّعى بارتكابها على نفس القدر من الأهمية. وتقع المسؤولية الأساسية عن التحقيق والمقاضاة فيما يتعلق بهذه الجرائم المـُدّعى بارتكابها على عاتق ليبيا. ويواصل مكتبي متابعته عن كثب لهذه الادعاءات.

السيد الرئيس، أصحاب السعادة،

تشير التقارير التي تلقاها مكتبي أيضاً إلى زيادة أعداد حالات الاختفاء القسري التي تُرتكب مع إفلات شبه تام من العقاب.

إن الاختفاء القسري، وهو جريمة ضد الإنسانية، يستتبع رفض تقديم معلومات عن مصير أو عن أماكن وجود الأشخاص المقبوض عليهم أو المحتجزين على يد الدولة أو المنظمات السياسية أو بتفويض أو دعم منها أو برضاها.

وتلحِق جريمة الاختفاء القسري معاناة شديدة بعائلات المفقودين. ويمكن أن تتسبب أيضاً في نشر الرعب في المجتمع. وعندما تستهدف أعضاء المجتمع البارزين، مثل الناشطين السياسيين والمدافعين عن حقوق الإنسان والصحفيين، فإنها ترسل رسالة قوية مفادها أنه لن يُسمح بأي أصوات معارضة.

ولهذه الأسباب، ولأسباب أخرى، تترتب على جريمة الاختفاء القسري تبعات خطيرة على الأفراد والمجتمعات على حد سواء.

ومن الحوادث التي ترمز إلى هذا الاتجاه المقلق حالة السيدة سهام سرقيوة، وهي عضو بمجلس النواب الليبي. والسيدة سرقيوة مفقودة منذ 17 تموز/يوليه 2019 حيث ادُّعي بأن رجال مسلحون اختطفوها من بيتها في بنغازي. ولا يزال مصيرها ومكان وجودها مجهولين.

وقد تشير المعلومات الأخيرة التي حصل عليها مكتبي إلى أولئك المسؤولين عن اختفاء السيدة سرقيوة. وتتواصل التحقيقات من أجل الاستيثاق من هذه المعلومات.

السيد الرئيس، أصحاب السعادة،

يبدو أيضاً أن خطاب الكراهية يتزايد في ليبيا. فالعبارات التحقيرية الموجهة ضد أشخاص معينين أو جماعات معينة التي تجردهم من إنسانيتهم قد عمّت وسائل الإعلام التقليدية ووسائل التواصل الاجتماعي على حد سواء.

إن هذا لمن بواعث القلق. فهذا النوع من العبارات يولد الكراهية والخوف في المجتمع المحلي ويعمّق الانقسامات في المجتمع ككل. وهو يغرس بذور الجريمة ضد الجماعات والأفراد المستهدفين، ويزكي الظروف التي قد ترتكب في كنفها جرائم الفظائع الجماعية.

وبموجب نظام روما الأساسي، فإن من يحرض الآخرين على ارتكاب الجرائم مسؤول أيضاً عن هذه الجرائم. وقد يتضمن ذلك التحريض إصدار البيانات العلنية التي تحض على شن هجمات على جماعات عرقية أو اجتماعية بعينها.

ويتحمل قادة المجتمع المحلي وأعضاؤه البارزون مسؤولية خاصة عن تقديم مثال يُحتذى به والامتناع عن خطاب الكراهية. وكل من يحث على الخوف والكراهية والانقسام في المجتمع المحلي فإنه لا يضر بالمستهدفين فحسب، بل يضر بالمجتمع برمّته كذلك.

السيد الرئيس، أصحاب السعادة،

وأنتقل الآن إلى الحديث عن الدعوى المـُقامة على السيد سيف الإسلام القذافي. فقد اختُتمت الجولة الثانية من أعمال التقاضي بشأن مقبولية الدعوى المـُقامة على السيد القذافي. ففي 9 آذار/مارس 2020، حكمت دائرة الاستئناف بالإجماع بمقبولية الدعوى المـُقامة على السيد القذافي أمام المحكمة الجنائية الدولية.

وبناء على ذلك، لا يزال أمر القبض على السيد القذافي سارياً. ولا تزال ليبيا ملزمة بالقبض على السيد القذافي وتقديمه إلى المحكمة.

وارتأت دائرة الاستئناف في حكمها أن المحكمة الجنائية الدولية لا يحول دون محاكمتها أي شخص حوكم فعلاً في ولاية قضائية وطنية فيما يتعلق بالسلوك نفسه إلا كون الإجراءات في المحكمة الأخرى نهائية.

والإجراءات المحلية في ليبيا ضد السيد القذافي ليست نهائية. ونظراً لصدور الحكم بإدانة السيد القذافي غيابياً، فإنه لو سلم نفسه أو قُبِض عليه ينصّ القانون الليبي على وجوب إعادة محاكمته. ولو حُكم عليه بالإعدام مرة ثانية، سيلزم أن تراجع محكمة النقض الليبية الحكم. ويضاف إلى ذلك أن قانون العفو الليبي، وهو القانون رقم 6 لعام 2015، لا ينطبق على هذه الدعوى.

وفي خلال إجراءات المقبولية، قال السيد القذافي أنه أُطلِق سراحه من الاحتجاز في 12 نيسان/أبريل 2016 تقريباً. ولم يبذل جهداً لتسليم نفسه. والسيد القذافي هارب باختياره، وهو يتعمد التهرب من العدالة في ليبيا وأمام المحكمة الجنائية الدولية على حد سواء.

ولن يمكن إحراز تقدم في الدعوى، وكذلك لن يمكن أن تتحقق العدالة للمجني عليهم جراء الجرائم المـُدّعى بأن السيد القذافي ارتكبها، طالما ظل هارباً.

وفي حكم دائرة الاستئناف توجيه قيّم بشأن بعض النقاط الهامة في القانون الجنائي الدولي. وعلى وجه الخصوص، ارتأت القاضية إبانييس كارّانسا في رأيها المنفصل والمؤيد أن العفو وما شابهه من تدابير تمنع التحقيق والمقاضاة والعقاب على الجرائم الرئيسية الدولية التي تصل إلى مستوى الانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان والخروق الخطيرة للقانون الدولي الإنساني  تناقض القانون الدولي.

وبناء على ذلك، ارتأت القاضية إبانييس كارّانسا أن مثل تلك التدابير يبدو أنها تتعارض مع موضوع نظام روما الأساسي والغرض منه، وإن كانت هذه المسألة ينبغي البت فيها في نهاية المطاف حسب كل حالة.

ويعد هذا تطوراً قانونياً هاماً في ما يتصل بإلتزام الدول بالتحقيق والمقاضاة، ومعاقبة مرتكبي الفظائع الجماعية حسب اللزوم.

السيد الرئيس، أصحاب السعادة،

أسمحوا لي أن أذكر أيضاً أن أوامر القبض على السيد التهامي خالد والسيد محمود الورفلي لم تُنفّذ بعد. وجمهورية مصر العربية، التي يُعتقد أن السيد التهامي يقيم فيها، لم تقبض عليه وتقدمه إلى المحكمة.

ولم يسهل الجيش الوطني الليبي الذي يقوده اللواء خليفة حفتر القبض على السيد الورفلي ويقدمه إلى المحكمة، وكذلك لم يضمن التحقيق معه ومقاضاته بشكل حقيقي في ليبيا. وقد ورد أن السيد الورفلي تحت إمرة اللواء حفتر.

وعلى الرغم من أن مكتبي يواصل الوفاء بالتزاماته التي يوجبها نظام روما الأساسي بالسير قدماً في تحقيقاته رغم القيود المفروضة على الموارد وبيئة العمل الصعبة، لن يتسنى إحراز مزيد من التقدم في سير العدالة من دون القبض على أولئك الذين تشتبه المحكمة بهم وتقديمهم. وهذه المسؤولية لا تقع على عاتق مكتبي أو على عاتق المحكمة، وإنما على عاتق جهات فاعلة أخرى في منظومة نظام روما الأساسي، ألا وهي الدول.

وكما أشرت مراراً من قبل أمام هذه الهيئة الموقرة، فإن المجلس وأعضاؤه يتحملون أيضاً مسؤولية خاصة عن دعم التعاون مع المحكمة والحث عليه عملاً بالقرار الذي أحال هذه الحالة إلى مكتبي في عام 2011.

أصحاب السعادة،

سأكون مقصرة في الوقت نفسه إن لم أعترف باستمرار العديد من الدول وأصحاب المصلحة في التعاون مع مكتبي تعاوناً متميزاً لدعم تحقيقاتنا، ولا سيما حكومة الوفاق الوطني ومكتب النائب العام الليبي.

ومع ذلك، بالنسبة لأهم مواضيع التعاون – وهو القبض على الهاربين من المحكمة وتقديمهم – ما زالت نداءات الشعب الليبي بتحقيق العدالة تُقابل بعدم الاكتراث. وآمل بصدق أن لا يظل وضع الإفلات من العقاب ذلك أمراً واقعاً وأن تتحقق العدالة للمجني عليهم جراء الجرائم الواردة في نظام روما الأساسي التي ارتُكبت في ليبيا.

إن تحقيق العدالة بشأن هذه الجرائم، ومنها الجرائم التي أسهبتُ في الحديث عنها اليوم، ضروري من أجل سيادة القانون ومن أجل الاستقرار في ليبيا. ويجب أن تمتد المساءلة عن هذه الجرائم لتشمل أولئك الذين يشغلون مواقع السلطة طالما كان ذلك مناسباً.

وأغتنمُ هذه الفرصة لأشدد من جديد على أن القادة العسكريين قد يُحمَّلوا المسؤولية عن الجرائم التي ترتكبها القوات الخاضعة لإمرتهم وسيطرتهم الفعليتين. ويتحمل القادة العسكريون المسؤولية عن منع وقمع ارتكاب قواتهم الجرائم، وعن عرض هذه الجرائم للتحقيق والمقاضاة.

وختاماً، تُعدّ العدالة الجنائية الدولية قوة ضرورية للمساءلة والردع – وهما ركنان يمكن أن يُبنى عليهما ويزدهر الاستقرار والتقدم والرخاء. وأدعو هذا المجلس والدول الأطراف في المحكمة والمجتمع الدولي بوجه أعم إلى الوقوف بثبات مع المحكمة ومع ولايتها الضرورية من أجل إنهاء الإفلات من العقاب على أخطر الجرائم في العالم.

أشكرك، سيدي الرئيس، وأصحاب السعادة، على إصغائكم. | مكتب المدعي العام


التقرير التاسع عشر للمدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية إلى مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة عملاً بقرار المجلس 1970 (2011):
العربية؛ الإنكليزية؛ الفرنسية


Source : Office of the Prosecutor